عبد الشافى محمد عبد اللطيف

53

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

أخذها العلماء على الواقدي أن صلته بالخلفاء العباسيين قد أثرت في أمانته العملية ، فأعرض عن ذكر الأحداث التي تغضبهم ، أو لا يرضون عنها ، ومن أمثلة ذلك حذف اسم العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم ، من جملة أسماء الذين شاركوا في معركة بذر من مشركي مكة ، ووقعوا أسرى في يد المسلمين . * رأي العلماء في الواقدي : اختلف علماء الحديث حول الواقدي اختلافا كبيرا ، بين معدل له وبين مجرح ، وقد حكى الخطيب البغدادي أقوالهم ( 1 ) على اختلافها ، وملخصها أن الإمام مالك ابن أنس كان يثق في رواياته - بينما كان لا يثق في روايات ابن إسحاق كما سبق ذكره - وكذلك كان يثق في الواقدي من فقهاء الحنفية محمد بن الحسن الشيباني ، بل لقبه بأمير المؤمنين في الحديث - وذلك قبل أن يصبح هذا اللقب مقصورا على الإمام البخاري فيما بعد - ووثق به من فقهاء الشافعية القاسم بن سلام . أما الذين طعنوا عليه فمنهم علي بن محمد المديني ومن أقواله فيه : " عند الواقدي عشرون ألف حديث لم يسمع بها " وقال عنه يحيى بن معين : " أغرب الواقدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين ألف حديث " وقال عنه أحمد بن حنبل : " الواقدي يركب الأسانيد " . والظاهر أن مطاعن المحدثين عليه كمطاعنهم على غيره من كتاب المغازي والسير ، لاختلاف المنهج بين الطائفتين . فهو لم يكن يتقيد بمذهبهم من تاحيتين : الأولى : أنه كان يأخذ من الصحف ، ويعتمد على الكتب ، وثقات المحدثين كانوا يكرهون تلك الطريقة أشد الكراهية ، ويرون أنه لا يصح للمحدث أن يحدث بحديث إلا إذا كان قد سمعه بأذنه ممن روي عنه . الثانية : أنه كان يجمع الأسانيد المختلفة ويجيء بالمتن واحدا ، مع أن جزءا من المتن لبعض الرواة وجزءا آخر لرواة آخرين ، وكان المحدوثون يعدون هذا عليا ، وقد عابوا ذلك على الزهري وتلميذه ابن إسحاق من قبل . وكان عذر الواقدي لاستعماله تلك الطريقة أنه لو أفرد كل حديث بسنده لطال الأمر جدا ، فقد روي أنه لما طالبه تلاميذه بإفراد كل حديث بسنده ، أراد أن يبرهن

--> ( 1 ) انظر تاريخ بغداد ( 3 / 7 ) .